الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

209

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

كالذين نسوه أو تناسوه حين لم يخفوا إلى النفير الذي استنفروه إشارة إلى أن الوعد بذلك قديم متكرر معروف في الكتب السماوية . والاشتراء : مستعار للوعد بالجزاء عن الجهاد ، كما دل عليه قوله : وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا بمشابهة الوعد الاشتراء في أنه إعطاء شيء مقابل بذل من الجانب الآخر . ولما كان شأن الباء أن تدخل على الثمن في صيغ الاشتراء أدخلت هنا في بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ لمشابهة هذا الوعد الثمن . وليس في هذا التركيب تمثيل إذ ليس ثمة هيئة مشبهة وأخرى مشبه بها . والمراد بالمؤمنين في الأظهر أن يكون مؤمني هذه الأمة . وهو المناسب لقوله بعد : فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ . ويكون معنى قوله : وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ ما جاء في التوراة والإنجيل من وصف أصحاب الرسول الذي يختم الرسالة . وهو ما أشار إليه قوله تعالى : وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ - إلى قوله - ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ - إلى قوله - لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [ الفتح : 29 ] . ويجوز أن يكون جميع المؤمنين بالرسل - عليهم الصلاة والسلام - وهو أنسب لقوله : فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ ، وحينئذ فالمراد الذين أمروا منهم بالجهاد ومن أمروا بالصبر على اتباع الدين من أتباع دين المسيحية على وجهها الحق فإنهم صبروا على القتل والتعذيب . فإطلاق المقاتلة في سبيل اللّه على صبرهم على القتل ونحوه مجاز ، وبذلك يكون فعل يُقاتِلُونَ مستعملا في حقيقته ومجازه . واللام في لَهُمُ الْجَنَّةَ للملك والاستحقاق . والمجرور مصدر ، والتقدير : بتحقيق تملكهم الجنة ، وإنما لم يقل بالجنة لأن الثمن لما كان آجلا كان هذا البيع من جنس السلم . وجملة : يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مستأنفة استئنافا بيانيا ، لأن اشتراء الأنفس والأموال لغرابته في الظاهر يثير سؤال من يقول : كيف يبذلون أنفسهم وأموالهم ؟ فكان جوابه يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلخ . قال الطيبي : « فقوله يُقاتِلُونَ بيان ، لأن مكان التسليم هو المعركة ، لأن هذا البيع سلم ، ومن ثم قيل بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ولم يقل بالجنة . وأتي بالأمر في صورة الخبر ثم